نعمة الكورونا: جوهر المحنة

نعمة الكورونا: جوهر المحنة
نعمة الكورونا: جوهر المحنة

ليس الظاهر كالباطن فلا تنخدع بظواهر الأمور …….

قحط وجدب, ماء شحيح وأرض قاحلة, قلة في الماء والغذاء في أرض اعتاد أهلها على وفرة الماء والنعم وتوارثوا زراعة القمح الذهبي الجميل الذي أصبح لونهم من لونه.
إنها مصر, أرض النيل، أصيبت بالجدب وأصيب معها بالشقاء من جاورها من أراض اعتادت شراء القمح والمحاصيل من مصر، وأعتمدت على مصر كسلة لغذائها على مر الاعوام والسنون.

كانت أرض كنعان (فلسطين) تعتمد في غذائها بشكل كبير علي البضائع التي تشتريها من مصر، فأصاب أهل كنعان ما أصاب أهل مصر من فاقة و بلاء……

في ظاهر الأمر هذا بلاء عظيم أصاب الناس, لا سيما أنه قد إستمر سبع سنين كامله، فهل في هذا البلاء شيء باطن يجعله نعمة لا نقمة ويكشف ظاهر الأمر الشقي الحزين عن باطن سعيد؟ …….نعم.

إنه دعاء نبي من أنبياء الله، فقد بصره من كثرة البكاء على ولده المفقود منذ سنين، واستعان على مصابه بكثرة الدعاء والشكوى إلى الله، ولكنه كان علي يقين بأن الله قادر علي أن يغير الأحوال ويبدل ما ألم به من حزن وألم إلى فرح وسرور (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ).

 فلولا الفاقة التي ألمت بأرض كنعان ما ذهب أبناء يعقوب إلى أرض مصر يطلبون الكيل والميرة، وقد ذهبوا جميعا إلا أخ لهم من أبيهم كانوا يؤذونه كما آذووا أخاه من قبل…

 يوسف الذي ألقي في الجب، وبيع للناس ف أسواق النخاسة، واتهم زورا،وسجن ظلما، ثم خرج أمينا على خزائن مصر يتصرف فيها حيث يشاء (وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).

ثم كان اللقاء بين يوسف وأخوه الصغير، وكان التدبير، فأخذه إلى كنفه وجاء بأبويه إلى مصر ورفعهم على العرش وخر إخوة يوسف له سجدا …..

يا الله ماهذا التمكين، وماهذه العزة بعد هوان، والرفعه بعد تشتيت، هل كان ما كان من تسيير للأمور بهذه الحكمة ليخرج هذا المشهد البديع؟ سبحان ربي (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)

 

والآن إذا نظرنا إلى ما نحن فيه من داء وبلاء (هذه الكورونا ) التي غيرت وجه الأرض، ألا ترون أن داخل هذا البلاء الظاهر، باطن حميد، وتصحيح لمسار الأمور،  وتحجيم لأهل الجبروت وتذكير لأهل الإيمان وإنذار لأهل المعصية وإعذار إلى حين .

قد يكون ما حل بهذه الأرض إجابه دعاء مظلوم، أو تأخير لظالم عن ظلمه، أو إنذار له بعدم الظلم، فقد تساوى أمام هذا الداء القوي والضعيف , السيد والخادم , الآمر والمأمور.

ألم تجأر حناجر المظلومين في بقاع الأرض؟ ألم ينادوا الحق؟ فلا نستبعد أن تكون الكورونا هي إجابة الدعاء وقد يسير الله الأمور بشكل عجيب لنصرة المظلوم ولو بعد حين.

هذه الكورونا جعلت الأرض تتنفس، والعوادم التي كانت تنبعث من المصانع والمواصلات إختفت، فأزهرت الأرض وتنفست, أصبحنا نشم عبير الزهور وبدأ ثقب الأوزون في الالتئام.

قصة قصيرة سعيدة

خرجت امرأه إلى شرفة المنزل لتشم بعض الهواء فوجدته بعبير الزهور، رائحة من الجنة، إنها رائحة زهور شجر البرتقال الذي يزرع في مدن مجاورة , لم يكن يصل إليها هذا العبير لعدم صفاء الجو وامتلاءه بالعوادم والأدخنة، والآن عاد العبير ….(سبحانك يا ربي) لهج لسانها بالتسبيح والدعاء واستبشرت خيرا بزوال المحنة، والحقيقة أن المحنة في جوهرها منحة

هذه الكورونا جعلتنا نعرف من هم أحق الناس بنا وبحبنا وبصحبتنا، ومن أحق الناس بمتابعتنا ودعمنا، اختفت النجوم الزائفة وظهر دور العلماء والأطباء والمخترعين وأصحاب الحرف والصناعات.

هذه الكورونا جعلتنا نرى من هو الغني بماله الفقير بنفسه الذي لا يعرف معنى العطاء.

قصة قصيرة حزينة

رجل أعطاه الله مالا منذ عشرات السنين، وهو يتقلب فيه، بات يولول على مصانعه ومشاريعه المغلقة، فلم يعتاد أن يخسر مالا من أجل البشرية بل من أجل أي شىء في هذه الحياة وما بعد الحياة.
وسرح العمال الفقراء من أعمالهم، فلم يعتاد أن يدفع دون مقابل ولو من أجل رضا الله، فيا حسرتاه على من خذل نفسه في هذه الأيام وهذا الاختبار (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) الحج (46)

هذه الكورونا جعلتنا نرى من هو الفقير بماله الغني بنفسه الذي يجود بها وهي كل ما يملك، هؤلاء نراهم في كل مكان، عباد مخلصون يعملون في صمت.
نكاد أن لا نلحظ وجودهم من فرط بساطتهم، هم الآن كل ما نملك، هم الجنود المثابرة على خدمتنا ورعايتنا في هذه المحنة.
العامل الذي يحمل مخلفاتنا، الخباز الذي يعمل خبزنا، العامل الذي ينظف ويعقم المستشفيات والطرقات، السائق الذي يحمل المرضى والمصابين.

إلى كل هؤلاء وكل من فوقهم ممن جعلوا أرواحهم على كفوفهم دون مقابل يذكر، لكم منا كل الشكر والامتنان…… 

هذه الكورونا جعلتنا نتراحم ونتكافل ونشد على يد بعض ونفكر في الضعفاء والمساكين الذين ضيق الحظر علي أرزاقهم، وأرغموا على البقاء في البيت من أجل صحة الجميع .
  
وما زالت الكورونا تعلمنا أشياء عن أنفسنا وعن الحياة ما كنا نعلمها من قبل…..

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى